الأبشيهي

629

المستطرف في كل فن مستظرف

ومهاو يهول أمرها ويعسر السلوك فيها ووجد في أعلاه بيت وفي وسطه حوض من رخام مطبق فلما كشف غطاؤه لم يوجد فيه إلا رمه بالية فعند ذلك أمر المأمون بالكف عما سواه . ويقال : إن الذي بناها اسمه سوريد بن سهراق بن سرياق لرؤيا رآها وهي آفة تنزل من السماء وهي الطوفان فقالوا : إنه بناها في ستة أشهر وقال : قل لمن يأتي بعدنا يهدمها في ستمائة سنة والهدم أيسر من البنيان وكسوناها الديباج الملون فليكسها حصراً والحصر أهون من الديباج والأمر فيها عجيب جداً والله سبحانه وتعالى أعلم . ومن المباني العجيبة منار الإسكندرية التي بناها ذو القرنين قيل : إنها كانت مبنية بحجارة منهدمة مغموسة في الرصاص فيها نحو من ثلاثمائة بيت تصعد الدابة بحملها إلى كل بيت وللبيوت طاقات تطل على البحر ويقال : إن طولها كان ألف ذراع وفي أعلاها تماثيل من نحاس منها تمثال رجل قد أشار بيده إلى البحر فإذا صار العدو على نحو ليلة منه سمع له تصويت يعلم به أهل المدينة مجيء العدو فيستعدون له ومنها تمثال كلما مضى من الليل ساعة صوت تصويتاً مطرباً ويقال : إنه كان بأعلاها مرآة من الحديد الصيني عرضها سبعة أذرع كانوا يرون فيها المراكب بجزيرة قبرص وقيل : كانوا يرون فيها من يخرج من البحر من جميع بلاد الروم فإن كانوا أعداء تركوهم حتى يقربوا من المدينة فإذا مالت الشمس للغروب أداروا المرآة مقابلة الشمس واستقبلوا بها السفن فيقع شعاعها بضوء الشمس على السفن فتحرق في البحر ويهلك كل من فيها وكانت الروم تؤدي الخراج ليأمنوا بذلك من إحراق السفن ولم تزل كذلك إلى زمن الوليد بن عبد الملك . قال المسعودي : قيل إن ملكاً من الروم تحيل على الوليد وأظهر أنه يريد الإسلام وأرسل إليه تحفاً وهدايا وأظهر له بواسطة حكماء كانوا عنده أن ببلاده دفائن وأرسل له بذلك قسيسين من خواصه وأرسل معهم أموالاً قيل إنهم حفروا بقرب المنارة ودفنوا تلك الأموال وقالوا للوليد : إن تحت المنارة كنوزاً لا تنفذ وبإزائها خبية بها كذا وكذا ألف دينار فأمرهم باستخراج ما بالقرب من المنارة فإن كان ذلك حقاً استخرجوا ما تحت المنارة بعد هدمها فحفروا واستخرجوا ما دفنوه بأيديهم فعند ذلك أمر الوليد بهدم المنارة واستخراج ما تحتها فهدموها فلم يجدوا تحتها شيئاً وهرب أولئك القسيسون فعلم الوليد أنها مكيدة عليه فندم على ذلك غاية الندم ثم أمر ببنائها بالآجر ولم يقدروا أن يرفعوا إليها تلك الحجارة فلما أتموها نصبوا عليها المرآة كما كانت فصدئت ولم يروا فيها شيئاً مثل ما كانوا يرون أولاً وبطل إحراقها فندموا على ما فعلوا وفاتهم من جهلهم وطمعهم نفع عظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وقد عملت الجن لسليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام في الإسكندرية مجلساً على أعمدة من الجزع اليماني المصقول كالمرآة إذا نظر الإنسان إليها يرى من يمشي خلفه لصفائها وفي وسط ذلك المجلس عمود من الرخام طوله مائة وأحد عشر ذراعاً وفي تلك الأعمدة عمود واحد يتحرك شرقاً وغرباً بطلوع الشمس وغروبها يشاهد الناس ذلك ولا يعلمون ما سببه . وفي مدينة حمص مدينة أخرى تحت المدينة المسكونة العليا فيها من عجائب البنيان والبيوت والغرف والماء الجاري في كل طريق من طرقها ما لا يعلمه إلا الله تعالى . وعند حوران مدينة عظيمة يقال لها : اللجأة فيها من البنيان ما يعجز عن وصفه ألسنة العقلاء . كل دار منها مبنية من الصخر المنحوت ليس في الدار خشبة واحدة بل أبوابها وغرفها وسقوفها وبيوتها من الصخر المنحوت الذي لا يستطيع أحد أن يعمله من الخشب وفي كل دار بئر وطاحون وكل دار مفردة لا يلاصقها دار أخرى وكل دار كالقلعة الحصينة إذا خاف أهل تلك النواحي من العدو دخلوا إلى تلك المدينة فينزل كل إنسان في دار بجميع عياله وخيله